عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

302

اللباب في علوم الكتاب

أحدها : أنه حمل على المعنى ، فإن معنى أحرص الناس : أحرص من الناس ، فكأنه قيل : أحرص من النّاس ، ومن الذين أشركوا . الثاني : أن يكون حذف من الثّاني لدلالة الأول عليه ، والتقدير : وأحرص من الذين أشركوا ، وعلى ما تقرر من كون « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » متّصلا ب « أفعل » التفضيل ، فلا بد من ذكر « من » ؛ لأن « أحرص » جرى على اليهود ، فلو عطف بغير « من » لكان معطوفا على النّاس ، فيكون المعنى : ولتجدنّهم أحرص الذي أشركوا ، فيلزم إضافة « أفعل » إلى غير من درج تحته ؛ لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصّين ؛ لأنهم قالوا في تفسيرهم : إنهم المجوس ، أو عرب يعبدون الأصنام ، اللّهم إلا أن يقال : إنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل ، فحينئذ لو لم يؤت ب « من » لكان جائزا . الثالث : أن في الكلام حذفا وتقديما وتأخيرا ، والتقدير : ولتجدنّهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس ، فيكون « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » صفة لمحذوف ، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في « لتجدنّهم » وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى ، ولكنه ينبو عنه التركيب لا سيّما على قول من يخصّ التقديم والتأخير بالضرورة . وعلى القول بانقطاعه من « أفعل » يكون « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » خبرا مقدما ، و « يودّ أحدهم » صفة لمبتدأ محذوف تقديره : ومن الذين أشركوا قوم أو فريق يودّ أحدهم ، وهو من الأماكن المطّرد فيها حذف الموصوف بجملته كقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] ، وقوله : « منا ظعن ومنا أقام » . والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم وأجاز الزّمخشري أن يكون من اليهود ؛ لأنهم قالوا : عزير ابن اللّه ، فيكون إخبارا بأن من هذه الطائفة التي اشتدّ حرصها على الحياة من يودّ لو يعمر ألف سنة ، ويكون من وقوع الظّاهر المشعر بالغلبة موقع المضمر ، إذ التقدير : ومنهم قوم يودّ أحدهم . وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » تحت « أفعل » ومن باب عطف الجمل على القول بالانقطاع . فصل في المراد بالذين أشركوا قيل : المراد بالذين أشركوا المجوس ، لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان ، قاله أبو العالية والربيع : وسموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة ، وهذه تحية المجوس فيما بينهم : عش ألف سنة ، ولك ألف نيروز ومهرجان . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه هو قول الأعاجم : زه هزار سال . وقيل : المراد مشركو العرب . وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد لما تقدم ؛ لأن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن